حبيب الله الهاشمي الخوئي

67

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقال تعالى أيضا * ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ) * قال في مجمع البيان : الجنى الثمر المجنىّ أي تدنو الثمرة حتّى يجنيها ولىّ اللَّه إن شاء قائما وإن شاء قاعدا عن ابن عباس ، وقيل أثمار الجنّتين دانية إلى أفواه أربابها ، فيتناولونها متّكئين ، فإذا اضطجعوا نزلت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين ، لا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك عن مجاهد . ( ويطاف على نزّالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة ) المصفاة ( والخمور المروّقة ) المتّصفة بالصفاء . كما أخبر به سبحانه في كتابه العزيز بقوله * ( « وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ، وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا » ) * . وقوله * ( « يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ » ) * أي يطوف عليهم ولدان مخلَّدون بكأس من خمر معين ظاهر للعيون جارية في أنهار ظاهرة ، وقيل شديدة الجرى ، ووصفها بكونها بيضاء لأنها في نهاية الرقّة والصفاء واللَّطافة النورية الَّتي بها لذيذة للشاربين ليس فيها ما يعترى خمر الدّنيا من المرارة والكراهة ، لا فيها غول أي لا يغتال عقولهم فيذهب بها ، ولا يصيبهم منها وجع في البطن ولا في الرّأس ويقال للوجع غول لأنّه يؤدّى إلى الهلاك ، ولا هم عنها ينزفون من نزف الرّجل فهو منزوف ونزيف إذا ذهب عقله بالسكر . ولما وصف نعيم الجنة وما منّ اللَّه بها على نازليها أشار إلى نزّالها فقال عليه السّلام ( قوم ) أي هم قوم ( لم تزل الكرامة تتمادى بهم ) أي متمادية بهم ممتدّة لهم متوسّعة في حقّهم ( حتّى حلَّوا ) ونزلوا ( دار القرار وأمنوا نقلة الأسفار ) أي من انتقالها . وهو كناية عن خلاصهم عن مكاره عوالم الموت والبرزخ والقيامة وشدايدها وأهوالها روى في البحار من معاني الأخبار عن ابن عباس أنه قال : دار السلام الجنّة وأهلها . لهم السلامة من جميع الآفات والعاهات والأمراض والأسقام ، ولهم السلامة من الهرم والموت وتغيّر الأحوال عليهم ، وهم المكرّمون الَّذين لا يهانون أبدا ، وهم